القاضي عبد الجبار الهمذاني
304
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإذا بذل مجهوده ، في النظر والمعرفة ؛ وزاد على غيره ظهرت الزيادة ، في علمه ومعرفته ؛ وإن كان ذلك أيضا ، مما لا يمكن أن يخرج عن العادة ، فيدّعى لأجله النبوة ، لأن غيره يمكنه أن يساويه ، إذا تكلف كتكلفه ، فلا تثبت فيه المزية ، والاختصاص بالسبق ؛ وقد بينا أن الإعجاز لا يثبت بالسبق فقط ، وأنه لا بدّ من أن تتعذر فيه المساواة ؛ وكل ذلك يبين أنه ، صلى اللّه عليه ، لو تمكن من أن يأتي بالقرآن ، على مزيته في الفصاحة لكان لا بدّ من نقض عادة ، في أن أوتى من العلم ما يخرج عن العادة ؛ كما لو خص بنفس القرآن لكان بهذه المثابة . فإن قيل : أليس القرآن نزل بلغة العرب ، فلا بدّ من أن يكون في كلامهم مثله ، حتى يكون نازلا بلغتهم ؛ فكيف يصح مع ذلك القول بأنه خارج في قدرة فصاحته عن العادة ! قيل له : ليس المراد بأنه نزل بلغتهم ، إلا أن الكلمات التي يشتمل القرآن عليها في لغتهم ، قد تواضعوا عليها ؛ فأما على هذا النظام المخصوص فليس في اللغة ، كما أن شعر من ابتدأ الشعر ليس في اللغة ، على ذلك الحد ، وإن لم يخرج عن أن يكون منطوقا ، من لغة العرب ؛ ولو جاز بمثل هذا الوجه إخراجه عن العادة لوجب أن لا يكون للشاعر المتقدّم فضله على المفحم وغيره ، لهذه العلة ؛ ولا لمن ينسج الديباج فضله على غيره ؛ لأن المنسوج يؤلف من الغزول المختلفة الألوان ؛ وهذا في غاية الركاكة . فإن قال : أليس « أقليدس » ، وصاحب كتاب « المجسطى » ، وصاحب « العروض » ، و « سيبويه » ، وغيرهم ، قد اختصوا فيما ظهر عنهم من العلوم ، بما بانوا به من غيرهم ، ولم يدل ذلك على نبوتهم ، ولا صلح منهم التحدي لذلك !